نصر حامد أبو زيد
102
مفهوم النص ( دراسة في علوم القرآن )
لأشرف الأمم ، ولقد صرفناه إليهم لينزله عليهم . ولولا أن الحكمة الإلهية اقتضت نزوله منجما بسبب الوقائع لأهبطه إلى الأرض جملة . فان قيل : في أي زمان نزل جملة إلى سماء الدنيا ، بعد ظهور نبوة محمد صلّى اللّه عليه وسلم أم قبلها ؟ قلت : قال الشيخ أبو شامة : الظاهر أنه قبلها ، وكلاهما محتمل ، فإن كان بعدها فوجه التفخيم منه ما ذكرناه ، وان كان قبلها ففائدته أظهر وأكثر . فان قلت : فقوله : ( إِنَّا أَنْزَلْناهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ ) ، من جملة القرآن الذي نزل جملة أم لا ؟ فإن لم يكن منه فما نزل جملة ، وان كان منه فما وجه صحة هذه العبارة ؟ قلت : ذكر فيه وجهين : أحدهما أن يكون معنى الكلام ، ما حكمنا بانزاله في القدر وقضائه وقدرناه في الأزل ونحو ذلك . والثاني أن لفظه لفظ الماضي ومعناه الاستقبال ، أي ينزل جملة في ليلة مباركة هي ليلة القدر ، واختير لفظ الماضي ، إما لتحققه وكونه لا بد منه ، وإما لأنه حال اتصال بالمنزل عليه يكون المضي في معناه محققا لأن نزوله منجما كان بعد نزوله جملة « 1 » . وليست هذه الافتراضات والتحملات كلها إلا لتجنّب اتخاذ أي موقف نقدي من الروايات القديمة كما سبقت الإشارة . والحقيقة أنه لم يكن ثمة نزول مجمل للنص من مكان إلى آخر وراء عالم الأرض ، عالم الوقائع والجزئيات ، ذلك أن مثل هذا التصور لا تعارضه الآية محور النقاش فقط ، بل يعارضه « النسخ » وإزالة حكم النص ومنطوقه . وصيغة الماضي الواردة في الآية محور النقاش صيغة دالة بحقيقتها من حيث ابتداء النزول أولا ومن حيث الموقف الاتصالي - حال الاتصال كما ورد في الفصل السابق - ثانيا . لقد كان موقف الفقهاء والأصوليين من « أسباب النزول » هو الموقف الأكثر نضجا كما يتجلى ذلك من مناقشتهم للحكمة من وراء التنجيم وأهميته بالنسبة لاكتشاف دلالة النص . 3 - الدلالة بين عموم اللفظ وخصوص السبب إن معرفة أسباب النزول ليست مجرد ولع برصد الحقائق التاريخية التي أحاطت بتشكّل النص ، بل تستهدف هذه المعرفة فهم النص واستخراج دلالته ، فان العلم بالسبب يورث العلم بالمسبّب كما يقولون . هذا إلى جانب أن دراسة الأسباب والوقائع تؤدي إلى فهم « حكمة التشريع » خاصة في آيات الأحكام ، ومن شأن فهم « الحكمة » أو « العلة » أن يساعد الفقيه على نقل الحكم من الواقعة الجزئية - أو السبب الخاص - وتعميمه على ما يشابهها من
--> ( 1 ) الزركشي : البرهان في علوم القرآن ، الجزء الأول ، ص 230 .